الرحلة المرعبة

 



الساعه تدق الواحدة ظهراً وحسين ينظر للساعه المعلقه على الحائط وهو واضع وجهه على يديه والملل والكسل يغطيان ملامح وجهه العابس الضجيج من حوله يملأ أركان المكان وأصوات زملائه وزميلاته في العمل
عالى للغايه منهم من يتكلم بالسياسه واحوال البلد والآخر يتكلم بالرياضه ومباراة
الامس الهامه التي كانت بين الزمالك والاهلى والنساء يتكلمن عن انواع
الرجيم والمحلات التي بها عروض تخفيض و حسين ليس هنا بالمره إنه في دنيا تانیه
رغم أن عمله هو موظف في رئاسة الحى القاطن به ومسؤلياته كثيره وكبيره
إلا انه اليوم على غير عادته بالمره شارد الذهن وغير منتبه لزملائه اللذين ينادونه
من وقت لآخر كي يأخذو رأيه في مباراة الأمس ولكنه لا يرد أو بالأصح
لا يسمعهم فجأه نهض حسين والتقط مفاتيح سيارته المتواضعه ونظارته الشمسيه
وعلبة سجائره والولاعه إرتدى النظاره وقبض على باقى متعلقاته بيده اليمنى وإنصرف دون أن
يتفوه بكلمه واحده مع من حوله وسط دهشة زملائه وزميلاته بالعمل وبعد أن خرج تهامس البعض على حسين ومنهم من قال شكله متخانق مع مراته زي كل مره
والبعض الآخر قال تلاقيه مزنوق في فلوس ولا حاجه . إتجه حسين نحو سيارته ووضع المفتاح بباب السياره وقبل أن يفتحه أخرجه ووضعه
في جيبه وإنصرف لا يعلم إلى أين ولكنه عزم على السير فقط كان يسير بخطى ثابته
إنتبه لصوت إحدى السيدات كان مرتفعاً وهى تخاطب زوجها في بلكونة شقتهم وتقول
هعمل ايه أنا محتاجه فلوس أجيب حاجة عيالك
بتاعة المدرسه بكره
ضروری وزوجها يرد عليها هتفضحينا الناس بتبص علينا وهو أنا معايا فلوس ومداريها عنك
ارتسمت على وجه حسين إبتسامة سخط وسخريه عندما إستمع لحديث المرأه وزوجها من غير قصد وأخذ يلعن الظروف والازمات ومصاعب الحياه التي تجعل
الحب والموده يهربون من عش الزوجيه ويجعلون الزوج وزوجته كأنهم أعداء لا يطيقان لبعضهما كلمه
ولا نظره وكل هذا من الظروف الخارجه عن ارادتهما . فجأه التفت حسين الصراخ
و شجار مجموعه من الشباب الجالسين على أحد مقاهي الحي وكل منهما ممسك بشيء في يده لكى يضرب الاخر والسبب الاهلى والزمالك ومباراة الأمس التي كانت بينهما
الزمالك أقوى لا الاهلى فوق الجميع تبسم حسين ضاحكاً وقال هم يبكى
وهم يضحك كان حسين يمشى فى طريقه الذي لا يعرفه ولا يعرف نهايته وكان يدقق في ملامح
ووجوه الناس التي تمر بجواره وكانت ملامحههم ووجوههم عابسه شارده حتى أن
رجلاً كبيراً بالعمر وقع على الأرض وحده وجلس على الارض يبكي بحراره
وكان منظره يقطع القلب فهو رجل يبدو من ملامحه أنه بأوائل الستينات
وملابسه تدل على انه رجل محترم ومتعلم او موظف كبير إتجه حسين نحو الرجل وجلس جواره
ودون تردد مد يده ومسح دموع الرجل فنظر له الرجل وقال له متشكر یا ابنی
فقال له حسين مالك ياريت تحكيلي إيه اللى مزعلك يا والدي فرد عليه
الرجل رد مفاجيء وقال إنت فيك اللى مكفيك يا ابنى ومش ناقص ! اندهش حسين وقال له انت تعرفني يا والدي ؟
قال الرجل لا معرفكش لكن عيونك فضحاك وهمك طافح منك وقلبك مش قادر يتحمل اللى انت شايله وساكت !
حسين مندهشاً قال : تعالى قوم معايا ومسك يد الرجل ونهضا سوياً وأخذه ليتجها الأحد الكافيهات ليجلسا عليها ويستكملا كلامهما فقال الرجل ل حسين أنا لازم أمشى
فرد حسين لازم اعرف مالك وزعلان ليه ؟ شكلك محتاج فلوس صح ؟ فمد یده
في جيبه واخرج ورقتين كل ورقه من فئة المائة جنيه ومد يده للرجل وهو مبتسم
فأبتسم الرجل لحسين وقال له مشكلتي مش في الفلوس يا ابنى حط فلوسك في جيبك
رد حسين انا زى ابنك يا والدى وعايز افرحك بس ...
قال الرجل : انت فرحتنى ومش واخد بالك بجد !
حسين مستغرب : ازاى هو انا عملت حاجه ؟
الرجل : كلمة والدى اللى قلتهالى دى خففت عنى كتير وكتير من جراحي وريحتني انت ريحتني وفرحتنى يا ابنى لكنى للاسف مش هقدر اساعدك ولا افرحك زی مفرحتنی
حسين مندهشاً : طيب تعرف ايه عنى ؟
الرجل : اعرف ان حياتك كلها عذاب و نار جوه قلبك وانك هتروح دنيا جديده عليك
بس ياترى هتلاقى فيها سعادتك اللى بتدور عليها ولا لأ دى معرفهاش ؟
حسين : دنیا جدیده ؟ ازای ؟
الرجل : متستعجلش هتعرف بعدین کلامی ده و هنتقابل هناك يا ابني !
صوت سیاره مسرعه خلف حسين يلتفت للسياره المسرعه ويتجنبها وعندما
التفت ناحية الرجل الكبير لم يجده بحث عنه ولكنه لم يجده نهائياً ظل واقفاً وعيناه
تبحث في كل مكان عن هذا الرجل الذي جاءه وقال له أموراً عجيبه وغريبه ...
ضحك حسين وقال أكيد خرفت ولا هلوست ومضى في طريقه إلى أين لا يعرف
رن هاتفه المحمول وعندما رأى من يطلبه أغلق الهاتف فقد كانت زوجته
هي من تريد التحدث معه ولكن حسين لا يريد التحدث مع أحد . 
أغلق الهاتف وأنطلق لقد وقف الزمن بالنسبة له لا يعرف كم مضى من الوقت وهو يسير
ولا يعلم أين هو ولكنه فجأه شعر بالعطش ليلتفت ليجد نفسه وحيداً وسط صحراء لا اول لها ولا اخر
كيف هذا وكيف جاءت هذه الصحراء وكيف جئت اليها دون ان ادري؟ نظر بعيناه بعيداً فوجد أشجاراً كثيفه فقال مؤكد هناك ماء فأخذ يجرى
ويجرى حتى وصل للأشجار ووجد بالفعل ماءاً كثيراً ولكنه موجود بنهر لم يرى مثله
أبداً في حياته مد يده وأخذ بعض الماء ليتذوق
فوجد الماء طعمه كالعسل واجمل
اخذ يشرب ويشرب حتى ارتوى ونظر حوله ليجد الطيور تغنى على الشجر بأصوات البنى أدمين كانت الطيور على إختلاف اشكالها تغنى اغنيه واحده
اغنيه حزينه من جمال اصواتهم وعذب كلماتهم لم يبالى بأصواتهم التي تشبه اصوات البني أدمين ولكنه جلس تحت شجره كبيره ومدد رجليه واخذ يستمع الأصواتهم العذبه الجميله وهم يغنون . أغمض عيناه على اصواتهم وفجأه الصوت توقف عن الغناء وعندما فتح عيناه لیری ماحدث وجد الظلام الحالك حوله في كل مكان اخرج هاتفه المحمول وحاول فتحه دون جدوى ولكنه رأى نوراً خفيفاً يأتي نحوه وكأنه نور شمعه
وشيئاً فشيئاً يقترب النور منه وقلبه يخفق وبشده 
خوفاً ورعباً حتى شعر
بمن يضع يده على كتفه ويهمس قائلاً : لا تخف يا حسين !!!
سقط حسين مغشياً عليه من هول الصدمه ...
فتح حسين عيناه ليجد نفسه مازال محاطاً بالأشجار والنهر يتوسط تلك الاشجار وقد
حل النهار ورحل الليل فعزم على مغادرة المكان مسرعاً ولكن بمجرد أن
تحرك تحولت الاشجار في حركه مفاجئه الى سور شاهق الارتفاع تتوسطها
بوابه مرعب لم يرى مثلها كانت بوابه من الفولاذ ملساء لا يوجد بها مقبض ولا قفل ولاای شیء
يمسكه حاول القفز عاليا دون فائده أخذ يصرخ ويصرخ دون اجابه من احد اخذ يجرى
في كل مكان باحثاً عن مخرج ولم يجد وجد سيده تجلس على النهر أشبه
بالحوريات التي يكتبون عنها بالقصص والروايات كانت كحبات اللؤلؤ المضىء وكانت تمشط
شعرها الطويل جداً جداً قال لها : السلام عليكم
نظرت له ولم ترد فأعاد تكرار السلام وايضاً لم ترد استكفت بالنظر له وهى
تبتسم شعر بالخوف فأخذ يجرى ويجرى فوجد رجلاً شاباً يقف وسط النهر ومعه
دلو كبير يملأه بالماء ويسكبه خلفه وسط دهشة حسين مما يفعله هذا الرجل قال لو سمحت
انا تايه هنا وعايز اخرج ومش عارف ياريت تدلنى على الطريق نظر له الرجل
نظره ملأته رعباً وخوفاً فقد كانت عيناه تنزف دماً بإستمرار كلما توقف عن تعبئة الدلو
بالماء وعندما يبدأ بتعبئة الدلو يقف الدم الذي يتساقط من عيناه الرعب تملك من حسين
فأخذ يجرى ويجرى وكلما ينظر للنهر يجد نساءاً ورجالاً على اطراف النهر يجلسون
وأخرون يعملون منهم من يحفر ومنهم من يبنى بيوتاً وكلهم يرتدون نفس الملابس
سواء رجال او نساء كانو يرتدون ملابس بيضاء يشع منها النور .
كان حسين ينظر لهم بخوف ولا يدرى من هؤلاء ولكنه استفاق على اصطدام جسده
في شخص وعندما نظر له وجده نفس الرجل الذي قابله بالشارع وكان یبکی
وجد الرجل يرتدى نفس الملابس التي يرتديها كل من هنا فقال له حسين : انا دورت عليك فى كل مكان ولم اجدك انت بتعمل ايه هنا ؟ وايه المكان ده ؟
ابتسم الرجل وقال : لا تخف يابنى وتعالى معى وسأقل لك كل شيء تود معرفته
قال حسين : مين الناس دى وبيعملو ايه هنا ؟ رد الرجل : هتعرف كل حاجه ياحسين
حسين : وكمان عارف اسمی ؟
الرجل : طبعاً وعارف عنك كل حاجه وعارف عنك حاجات انت متعرفهاش حسین : ازاى ؟
الرجل تعالى بس وانت هتعرف كل حاجه لوحدك وأمسك الرجل بيد حسين ومشيا
حتى وصلا الى منزل جميل ومرتب تفوح منه اجمل الروائح وازكاها ووجد
طفلتين تلهونان وتلعبان داخله واصواتهما عاليه فجذبه صوت الطفلتين فهو مشابه لصوت ابنتيه الصغيرتين ووجد زوجته تنظف المنزل وتنشر الورود في كل رکن
والهدوء والسكينه يعمان ارجاء المنزل الجميل ورأى نفسه يفتح الباب ويدخل
وعندما دخل سمع صوت الرعد والبرق والامطار تهطل بغزاره ووجد الطفلتين
صمتا عن الغناء واللعب واللهو ووجد الورود التي نشرتها زوجته بالمنزل ذبلت
وماتت ووجد الهدوء الذي كان يغطى البيت تحول لصواعق من الضجيج الذي
لا يحتمله ای احد ووجد نفسه ينهر زوجته ويغضبها ويترك المنزل ويخرج
ويتركها غارقه فى بكائها وحزنها والطفلتين حولها يمسحان دموعها المنهمره
من عينيها وفجأه رويداً رويداً تبخر المنزل الجميل كالبخار ولم يعد موجوداً
حسين ينظر للرجل وقبل ان يتكلم قاطعه الرجل الكبير قائلاً : متستعجلش
تعالى معايا وشوف فرأى حسين نفسه يجلس في بيت كتيب يكسوه اللون الاحمر
الناري من كل جانب رأى نفسه يجلس وامرأه تجلس جواره رأسها رأس الثعبان
وجسدها جسد امرأه وتتودد له وكل من حوله من الرجال رأسهم رأس الحمير 
واجسادهم كالرجال والنساء رأسهن كرؤوس الثعابين واجسادهن كالنساء ففزع
عندما رأى نفسه وسط هؤلاء يضحك ويلهو ويلعب مع ان من حوله من النساء
مجرد ثعابين كبيره ورجال برؤوس الحمير انهش اكثر عندما وجد رأسه تتحول
لتصبح رأس حمار كبيره جداً فنظر للرجل مندهشاً وقال :
ايه اللى بيحصل ده وايه اللي بشوفه ده ؟
رد عليه الرجل : البيت اللى شفته الاول وكان فيه مراتك وبناتك وكان ملیان
حب وموده وسكينه ده بيتك وحياتك وانت اللى بأيدك بتقلب الهدوء والسكينه
في البيت بينك وبين مراتك لرعد وبرد وعواصف اللى بمرور الوقت هتدمر
بيتك وتمحيه من الوجود ليصبح مجرد عدم .
والبيت التانى ده هو رفقاء السوء اللي حواليك اللى مفهمينك انهم بيحبوك
و خصوصاً المرأه اللى بتتودد لك ومفهماك انك كل حياتها ولو لاحظت هتلاقی
كل الستات بالبيت ده هما امرأه واحده فقط ولكنها تتغير لكل واحد
وانت لست الوحيد لديها فهى لديها من الحمير الكثير والكثير ...
نظر حسين للرجل وقال يعنى انا مت خلاص ومش هشوف بناتي ومراتى تانی ولا ايه ؟
رد الرجل : انت ياحسين ميت من زمان من يوم ما رفضت النعمه اللي انعم بيها ربك
عليك وهي مراتك وبناتك واهلك وكل اللى بيحبوك ورحت رامي نفسك في احضان
ناس لا يختلفون بالمكر والخبث عن الثعابين لمجرد انهم يضحكون بوجهك ويمطروك
بالكلام المعسول وانت كالحمار تصدق كلامهم وتقترب منهم وبنفس الوقت تبتعد
عمن يحبوك فعلاً بإخلاص ولا يريدون منك اى شيء سوى سعادتك ... نظر حسين للرجل وقال : طيب والناس اللى شفتهم هنا والست اللي
بتسرح شعرها والراجل اللي بينزل دم من عنيه والناس اللى هنا دول مين ؟ قال الرجل متبسماً : لا تنشغل بأمور الناس فأنت عندك ما يشغلك اهتم بأمورك
وامور بيتك واطفالك وزوجتك ولا تنشغل بالناس لانك لو انشغلت بالناس
وامورهم هتشوف اللى متحبش تشوفه وهتسمع اللى متحبش تسمعه وهتهمل حياتك وبيتك 
قال حسين : انا اعرفك صح ؟
رد الرجل : انا مش متأكد انت تعرفنى ولا لأ لكن انا متأكد اني اعرفك
كويس أوى
حسين : انا عايز اخرج من هنا ياريت تساعدني
الرجل : محدش يقدر يخرجك من هنا غير شخص واحد بس !
حسين : مين هو ؟
الرجل : انت يا حسين . لو فعلا عايز تخرج من اللى انت فيه هتخرج ولو مش عايز
هتفضل كده روحك متعلقه ومش مرتاحه ...
حسین : نفسى ارجع واسعد مراتي وبناتي وكمان ابويا وامی بس هرجع ازای
وفجأه فتح عيناه ليجد نفسه نائماً في منزله وحوله بناته وزوجته ووالده ووالدته
يحمدون الله على سلامته وعندما نظر لوالده تذكر جيداً ان من كان معه بالحلم
وكان الدليل بالنسبة له في رحلته كان والده والده الذي اخذ بيده ليعبر به لبر الامان
وزوجته واولاده واهماله لهم رغم حبهم له الكبير .
نظر لوالده وقال : وحشتنى يا والدي
دمعت عين والده وقال : حمد لله على سلامتك ياحسين انت رجعلتنا من الموت !! 
وعلم حسين بعدها انه تعرض لحادث أليم كاد ان يخسر فيه حياته ...
حياتنا احنا اللى بترسمها وبنلونها بإيدينا بنحب اللون الابيض وبنعشقه لكننا رغم عشقنا
للون الابيض بنمسك اللون الاسود ونرسم بيه وبعد ما تتلون حياتنا بالاسود
بنقول الظروف ونفضل نرمى كل حاجه على الظروف مع ان الأسود موجود والابيض موجود
واحنا اللى بنختار مش حد تاني . الحاجات الحلوه في حياتك جايز متشوفهاش بعنيك لكنك هتحسها
وهتشوفها بقلبك متحاولش تحكم على الناس بعنيك لان عنيك مهما شافت مبتشوفش كل الحقيقه.
الرحلة المرعبة _ بقلم / حسام المعتزبالله 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دنيا عجيبه بقلم حسام المعتزبالله